عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
225
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
العرش ونستهديه ونستنسخ ما عنده ونستمليه فلما سمع العرش ما نحن فيه اهتز طربا ومال مضطربا وقال لا تحدث به جنانك ولا تحرك به لسانك فهذا سر لا يكشفه حجاب ولا يفتح دونه باب وسؤال ليس عنه جواب ومن أنا في البين حتى أعرف هو أين هو سبقني بالاستواء وقهرني بالاستيلاء فلو لا استواؤه لما استويت ، ولولا استيلاؤه لما اهتديت فو عزته لقد خلقني وفي بيداء أبديته حيرني ، في بحار أحديته أغرقني ، فتارة يدنيني من مواقف قربه فيؤنسني ، وتارة يحتجب عني بحجاب عزته فيوحشني ، وتارة يواصلني بكأس حبه فيسكرني ، فكلما استغرقت في عربدة سكرى قلت رب أرني أنظر إليك فيقول بلسان أحديته لن تراني فلما أفقت من سكري قال أيها المحب هذا جمال قد صناه وحسن قد حميناه فلا يراه إلا يتيم قد ربيناه وحبيب قد اصطفيناه ، فإذا سمعت سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [ الإسراء : 1 ] فقف على طريق عروجه إلينا وقدومه علينا لعلك ترى من يرانا ، فلما انتهى النبي صلى اللّه عليه وسلم ليلة المعراج إلى العرش تمسك بأذياله وقال بلسان حاله يا محمد إلى متى تشرب في صفاء وقتك آمنا من مقتك يطوف بك على ندماء حضرته ويحملك على رفرف كرامته ، وتارة يشهدك جمال أحدية ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) [ النجم : 11 ] وتارة يشهدك جمال صمدية ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) [ النجم : 17 ] وتارة يطلعك على أسرار ملكوت فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ( 10 ) [ النجم : 10 ] وتارة يدنيك من حضرة قرب فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ( 9 ) [ النجم : 9 ] هذا وأنا الظمآن إليه اللهفان عليه المتحير فيه لا أدري من أي جهة آتيه جعلني أعظم خلقة فكنت أعظمهم منه هيبة وأكثرهم فيه حيرة وأشدهم خيفة ، يا محمد خلقني فكنت أرعد لهيبة جلاله فكتب على قائمتي لا إله إلا اللّه فازددت لهيبة اسمه ارتعادا فلما كتب محمد رسول اللّه سكن قلقي وهدأ روعي فهذه بركة وقع اسمك علي فكيف إذا حل جميل نظرك إلي يا محمد أنت المرسل رحمة للعالمين ولا بد لي من نصيب من هذه الرحمة ونصيبي منها أن تشهد لي بالبراءة مما نسبه أهل الغرور إلي وتقوله أهل الزور علي زعموا أني أسع من لا حد له وأحيط بمن لا كيفية له يا محمد من لاحد لذاته ولا عد لصفاته كيف يكون مفتقرا إلي أو محمولا علي يا محمد إذا كان الرحمن اسمه والاستواء صفته وصفته متصلة بذاته فكيف يتصل بي أو ينفصل عني لا أنا منه ولا هو مني ، قال مفتي الجن والإنس نجم الدين النسفي في قوله تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ( 43 ) [ النجم : 43 ] أي أضحك العرش بإضافته إليه وأبكاه بافتراء المجسمة عليه . قال علي رضي اللّه عنه : إن اللّه تعالى قريب في بعده بعيد في قربه فوق كل شيء ولا يقال شيء تحته وتحت كل شيء ولا يقال شيء فوقه تعالى جناب عزه أن يوصف بالاستقرار أو التمكن أو المماسة فهو مستغن عن الكون والمكان . قال العلائي في سورة طه قال المشبهة هو مستقر على العرش وهو باطل لأن التعري عن المكان ثابت في الأزل لعدم قدم المكان فلو تمكن بعد حلول المكان لتغير ولحدثت فيه مماسة والتغير وقبول الحوادث من أمارات الحدوث وهذا مستحيل على القديم الأزلي سبحانه وتعالى . قال الرازي في سورة طه : قالت المشبهة إن معبودهم مستقر